ابن الجوزي
214
صفة الصفوة
ذكر المصطفين من أهل جبلة « 1 » 788 - مالك بن القاسم الجبلي عبد العزيز الأهوازي قال : قال لي سهل بن عبد اللّه : مخالطة الوليّ للناس ذلّ ، وتفرّده عز ، قلّما رأيت وليا للّه إلا منفردا ، إن عبد اللّه بن صالح كان رجلا له سابقة جليلة وموهبة جزيلة وكان يفر من الناس من بلد إلى بلد حتى أتى مكة فطال مقامه فيها ، فقلت له : لقد طال مقامك بها . فقال لي : لم لا أقيم بها ولم أر بلدا ينزل فيه من الرحمة والبركة أكثر من هذا البلد ؟ فأحببت أن أكون فيه مقيما والملائكة تغدو فيه وتروح وإني أرى فيه أعاجيب كبيرة وأرى الملائكة يطوفون به على صور شتى لا يقطعون ذلك . ولو قلت : كل ما رأيت لصغرت عنه عقول قوم ليسوا بمؤمنين . فقلت له : أسألك إلا خبرتني بشيء من ذلك ؟ فقال : ما من ولي للّه تعالى صحت ولايته إلا وهو يحضر في هذا البلد في كل ليلة جمعة لا يتأخر عنه ، فمقامي ها هنا لأجل من أراه منهم ، ولقد رأيت رجلا يقال له : مالك بن القاسم ، جبلّي ، وقد جاء ويده غمرة « 2 » ، فقلت له : إنك قريب عهد بالأكل ؟ فقال لي : أستغفر اللّه فإنني منذ أسبوع لم آكل ، ولكن أطعمت والدتي وأسرعت لألحق صلاة الفجر . وبينه وبين الموضع الذي جاء منه سبعمائة فرسخ ، فهل أنت مؤمن بذلك ؟ فقلت : نعم . فقال : الحمد للّه الذي أراني مؤمنا موقنا . 789 - إبراهيم الجبلي عبد الواحد بن محمد بن ابان الفارسي قال : لقيت إبراهيم الجبلي بمكة بعد رجوعه إلى وطنه وتزويجه بابنة عمه وكان قد قطع البادية حافيا . فحدثني أنه لما رجع إلى بلده وتزوج شغف بابنة عمه شغفا شديدا حتى ما كان يفارقها لحظة . قال : فتفكرت ليلة في كثرة ميلي إليها وشغفى بها فقلت : ما يحسن بي أن أرد القيامة وفي قلبي هذه ، فتطهرت وصليت ركعتين وقلت : سيدي رد قلبي إلى ما هو أولى . فلما كان من الغد أخذتها الحمى وتوفيت يوم الثالث ونويت الخروج حافيا من وقتي إلى مكة .
--> ( 1 ) مرّ ذكرها في الجزء الأول . ( 2 ) أي ما زال عليها أثر الطعام .